النجاح بالأرقام... أم بالنتائج؟
ليست كل الأرقام دليلًا على النجاح. فقد يحقق مسؤول انخفاضًا في النفقات، أو زيادة في الإنتاج، أو تقليصًا في مدة الإنجاز، لكنه في المقابل يكون قد أضر بالجودة أو السلامة أو ثقة الناس.
التركيز على مؤشر واحد وإهمال بقية المؤشرات هو أحد أخطر الأخطاء الإدارية. فالمنظمة التي تكافئ الموظف لأنه "وفّر المال" دون أن تسأل: كيف وفّر المال؟ قد تفتح الباب أمام قرارات كارثية تبدو ناجحة على الورق فقط.
الغباء أخطر من الفساد أحيانًا
الفساد غالبًا ما يكون مقصودًا، ولذلك يمكن محاربته بالقوانين والرقابة والعقوبات. أما الغباء المصحوب بالسلطة فهو أكثر تعقيدًا، لأن صاحبه قد يكون مقتنعًا تمامًا بأنه يقدم خدمة عظيمة.
الإنسان غير الكفء لا يدرك حدود معرفته، وقد يتخذ قرارات مصيرية بثقة كاملة، معتقدًا أنه يحقق المصلحة العامة، بينما تكون النتيجة خسائر يصعب إصلاحها.
ولهذا قال بعض المفكرين إن أخطر أنواع الأخطاء ليست تلك الناتجة عن سوء النية، وإنما تلك الناتجة عن حسن النية مع ضعف الكفاءة.
ثقافة المكافآت الخاطئة
تكشف القصة عن خلل آخر، وهو أن المؤسسات أحيانًا تكافئ السلوك الخاطئ لأنها تقيس النجاح بطريقة خاطئة.
فإذا كان معيار التميز هو:
- تقليل التكلفة فقط،
- أو زيادة الإنتاج فقط،
- أو تحقيق أرقام قياسية فقط،
فإن بعض الأشخاص سيضحون بالجودة والأمان والأخلاق من أجل الفوز بالمكافأة أو اللقب.
الإدارة الذكية لا تكافئ النتائج المجردة، بل تقيّم أيضًا الوسائل التي أُنجزت بها تلك النتائج، وتأثيرها على المدى البعيد.
عندما يصبح غير الأكفاء في مواقع القرار
لا تشير المشكلة إلى المؤهلات العلمية وحدها، فالشهادات لا تضمن دائمًا الكفاءة، كما أن غيابها لا يعني بالضرورة انعدامها.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تُمنح المناصب الحساسة لأشخاص يفتقرون إلى الخبرة والرؤية والقدرة على تقدير العواقب، أو عندما يُرقّى من يجيد صناعة الصورة أكثر ممن يجيد صناعة الإنجاز.
فالمؤسسات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا نتيجة قرارات صغيرة تبدو ناجحة في لحظتها، لكنها تزرع بذور الفشل للمستقبل.
هل المشكلة في الأشخاص أم في النظام؟
من السهل إلقاء اللوم على فرد واحد، لكن السؤال الأهم هو: كيف استطاع هذا الفرد أن يستمر ستة أشهر دون أن يكتشف أحد خطأه؟
هذا يعني أن هناك خللًا في منظومة الرقابة، وفي معايير التقييم، وفي ثقافة المؤسسة التي تحتفي بالأرقام قبل أن تتحقق من آثارها.
فالأنظمة القوية لا تعتمد على عبقرية الأفراد، بل تبني آليات تمنع الخطأ قبل وقوعه، وتكتشفه بسرعة إذا وقع.
الخلاصة
سواء كانت هذه القصة حقيقية أم رمزية، فإنها تحمل درسًا بالغ الأهمية: ليس كل من يُصفَّق له يستحق التصفيق، وليس كل من يحقق أرقامًا مبهرة يصنع نجاحًا حقيقيًا.
فالمجتمعات والمؤسسات لا تتضرر فقط من الفساد، بل قد تتضرر أيضًا من قرارات يتخذها أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة، ويملكون في الوقت نفسه سلطة التنفيذ والثقة المطلقة فيما يفعلون.
إن تكريم الكفاءة، وربط الإنجاز بالجودة والمسؤولية، ومحاسبة النتائج لا الشعارات، هي الضمانة الحقيقية لبناء مؤسسات قوية لا تنخدع ببريق الأرقام ولا بألقاب "بطل الإنتاج".