شريط الأخبار

حين يصبح "بطل الإنتاج" سببًا في الكارثة! هل يقتلنا الفساد أكثر... أم الغباء؟


 يقول "خروتشوف" : إتَّصَل بي الرفيق "ستالين".. و قال هناك مؤامرة كبيرة ينبغي التدقيق والتحقيق فيها. لدينا معمل إطارات... و هذا المعمل هو هديّة من شركة فورد الأمريكية... و هو يقوم بإنتَاج الإطارات منذ سنوات و بشكل جيد و مُستمّر... و لكن فجأة... و منذ ستة أشهر.. بدأ هذا المعمل ينتج دواليب تنفجر بعد بضعة كيلومترات من الإستعمال... و لم يعرف أحد السبب… و بالتالي أريدك أن تذهب إلى المعمل فورا وتستكشف الأمر و السبب من وراء ذالك. وصلت المعمل و باشرت التحقيق فورا. وكان أول ما لفت إنتباهي هو حائط بأسماء الأبطال على مدخل المعمل… على هذا الحائط توضع صور أفضل العمال و الإداريين الذين عملوا بفعالية و نشاط خلال شهر. و بدأت التحقيقات مباشرة من الإدارة حتى أصغر عامل.. لا أحد منهم يعرف الأسباب... وقفت في أول خط الإنتاج وقمت بمتابعة أحد الإطارات إنطلاقاً من نقطة الصفر حتى نهاية إنتاجه وخروجه من المعمل… و أصبت بالإحباط… كل شيء طبيعي وكل شيء صحيح وكل شيء متقن ولكن الإطار انفجر بعد بضعة كيلومترات من إستعماله... جمعت المهندسين والعمال والإداريين وأحضرت المخططات وقمت بالإتصال بالمهندسين الأمريكيين... لم نصل إلى حل للمشكل القائم... قمت بتحليل المواد الخام المستخدمة في صناعة ذلك الإطار... نتائج التحليل أثبت أنها ممتازة جداً و ليست هي السبب أبداً... والإطار انفجر بدون سبب... أصابني الشعور بالإحباط زيادة.. و أحسست بالعجز… و بينما أنا أمشي في المعمل لفت نظري حائط الأبطال في المعمل... بحيث يوجد على رأس القائمة أحد المهندسين منذ ستة أشهر… أي منذ أن بدأت هذه الإطارات بالإنفجار و بدون سبب يُذكَر... لم أستطع لَيلَتَها النوم... فَقُمت باستدعاء هذا المهندس إلى مكتبي فورا... للتحقيق معه… و قلت له…أرجوك إشرح لي يا رفيق…كيف استطعت أن تكون بطل الإنتاج لِستَّة أشهر متتالية؟ قال : لقد استطعت أن أُوفِّر الملايين من الروبلات للمعمل و الدولة… قلت : وكيف ذلك؟ قال : ببساطة قمت بتخفيف عدد الأسلاك المعدنية في الإطار و بالتالي إستطعنا توفير مئات الأطنان من المعادن يومياً... هنا اصابتني السعادة الكبيرة لأنني عرفت حلّ اللغز أخيراً و لم أصبر على ذلك… اتصلت على الفَور ب "ستالين" و شرحت له ما حدث و بعد دَقيقةِ صَمْتٍ قال بالحرف : و الآن... أين دَفَنْتَ جُثّة هذا الغبيّ؟ قُلتُ : في الواقع لم أعدمه يا رفيق… بل سأرسله إلى سيبيريا. لأن الناس لن تفهم لماذا نُعدِم بطل إنتاج...!!!

بغض النظر عن صحة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن الرسالة التي تحملها تستحق التأمل؛ فهي تكشف عن مشكلة تتكرر في المؤسسات والإدارات والشركات، بل وحتى في المجتمعات بأكملها.

النجاح بالأرقام... أم بالنتائج؟

ليست كل الأرقام دليلًا على النجاح. فقد يحقق مسؤول انخفاضًا في النفقات، أو زيادة في الإنتاج، أو تقليصًا في مدة الإنجاز، لكنه في المقابل يكون قد أضر بالجودة أو السلامة أو ثقة الناس.

التركيز على مؤشر واحد وإهمال بقية المؤشرات هو أحد أخطر الأخطاء الإدارية. فالمنظمة التي تكافئ الموظف لأنه "وفّر المال" دون أن تسأل: كيف وفّر المال؟ قد تفتح الباب أمام قرارات كارثية تبدو ناجحة على الورق فقط.

الغباء أخطر من الفساد أحيانًا

الفساد غالبًا ما يكون مقصودًا، ولذلك يمكن محاربته بالقوانين والرقابة والعقوبات. أما الغباء المصحوب بالسلطة فهو أكثر تعقيدًا، لأن صاحبه قد يكون مقتنعًا تمامًا بأنه يقدم خدمة عظيمة.

الإنسان غير الكفء لا يدرك حدود معرفته، وقد يتخذ قرارات مصيرية بثقة كاملة، معتقدًا أنه يحقق المصلحة العامة، بينما تكون النتيجة خسائر يصعب إصلاحها.

ولهذا قال بعض المفكرين إن أخطر أنواع الأخطاء ليست تلك الناتجة عن سوء النية، وإنما تلك الناتجة عن حسن النية مع ضعف الكفاءة.

ثقافة المكافآت الخاطئة

تكشف القصة عن خلل آخر، وهو أن المؤسسات أحيانًا تكافئ السلوك الخاطئ لأنها تقيس النجاح بطريقة خاطئة.

فإذا كان معيار التميز هو:

  • تقليل التكلفة فقط،
  • أو زيادة الإنتاج فقط،
  • أو تحقيق أرقام قياسية فقط،

فإن بعض الأشخاص سيضحون بالجودة والأمان والأخلاق من أجل الفوز بالمكافأة أو اللقب.

الإدارة الذكية لا تكافئ النتائج المجردة، بل تقيّم أيضًا الوسائل التي أُنجزت بها تلك النتائج، وتأثيرها على المدى البعيد.

عندما يصبح غير الأكفاء في مواقع القرار

لا تشير المشكلة إلى المؤهلات العلمية وحدها، فالشهادات لا تضمن دائمًا الكفاءة، كما أن غيابها لا يعني بالضرورة انعدامها.

الخطر الحقيقي يبدأ عندما تُمنح المناصب الحساسة لأشخاص يفتقرون إلى الخبرة والرؤية والقدرة على تقدير العواقب، أو عندما يُرقّى من يجيد صناعة الصورة أكثر ممن يجيد صناعة الإنجاز.

فالمؤسسات لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا نتيجة قرارات صغيرة تبدو ناجحة في لحظتها، لكنها تزرع بذور الفشل للمستقبل.

هل المشكلة في الأشخاص أم في النظام؟

من السهل إلقاء اللوم على فرد واحد، لكن السؤال الأهم هو: كيف استطاع هذا الفرد أن يستمر ستة أشهر دون أن يكتشف أحد خطأه؟

هذا يعني أن هناك خللًا في منظومة الرقابة، وفي معايير التقييم، وفي ثقافة المؤسسة التي تحتفي بالأرقام قبل أن تتحقق من آثارها.

فالأنظمة القوية لا تعتمد على عبقرية الأفراد، بل تبني آليات تمنع الخطأ قبل وقوعه، وتكتشفه بسرعة إذا وقع.

الخلاصة

سواء كانت هذه القصة حقيقية أم رمزية، فإنها تحمل درسًا بالغ الأهمية: ليس كل من يُصفَّق له يستحق التصفيق، وليس كل من يحقق أرقامًا مبهرة يصنع نجاحًا حقيقيًا.

فالمجتمعات والمؤسسات لا تتضرر فقط من الفساد، بل قد تتضرر أيضًا من قرارات يتخذها أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة، ويملكون في الوقت نفسه سلطة التنفيذ والثقة المطلقة فيما يفعلون.

إن تكريم الكفاءة، وربط الإنجاز بالجودة والمسؤولية، ومحاسبة النتائج لا الشعارات، هي الضمانة الحقيقية لبناء مؤسسات قوية لا تنخدع ببريق الأرقام ولا بألقاب "بطل الإنتاج".

حين يصبح "بطل الإنتاج" سببًا في الكارثة! هل يقتلنا الفساد أكثر... أم الغباء؟
الدكتور عبد الكبير بلاوشو

تعليقات

      ليست هناك تعليقات
      إرسال تعليق

        نموذج الاتصال

        websitemonafizamazonandroidfindersafariapplebasecampbehancebloggerchromedeliciousdeviantartdiscorddribbbledropboxellomessengerfacebookfirefoxflickrgithubgoogle-drivegoogle-playIEinstagramjoomlakafilkhamsatkicklanyrdlastfmlinkedinlinuxedgeonedrivewindowsmostaqlnpmoperapatreonpaypalpinterestquoraredditrenrenrsssina-weiboskypesnapchatsoundcloudstack-overflowsteamstumbleupontelegramthreadstiktoktradenttrellotumblrtwitchtwittervimeovinevkwhatsappwordpressXxingyahooyoutube