أحياناً نَختَلِف أنا و أنت…ليس لأن أَحَدَنا مُخطِئ أو لأنَّه يمتَلِك ناصِيَة الوَعي و الفَهم و الخِبرَة…بل لأن زاوية نَظْرَتِنا و رؤيَتنَا للأمور تختلف تماماً…وهذا حَال مضمون الحكايَة أسفَله والتي تنطبق على كل مجالات الفعل الإنساني (بدءاً بالسياسي/النقابي/الحقوقي/المدني/الاجتماعي/الاقتصادي…انتهاءاً بالجامعي) :
يُقال أنَّه في ليلَةٍ عَاصِفَة رأى قائد سفينة حربية نُوراً أمامه فأَرسَلَ رِسالَةً لاسِلكية فوراً مفادها "غيِّرُوا مَسارَكُم لِتَجنُّب الإصطِدَام"… فَجاءَه الردّ سريعاً : "بل غَيِّروا أنتم مَسَارَكُم لتَجنُّب هذا الإصطدام"… غَضِبَ القائد و قال بِلَهجَة حادَّة : أنا قائد البحرية "قُوموا بِتغيير مَسارِكم الآن"… فَجاءَه الردّ بِكلّ هُدُوء : أنا عَامِلٌ بَسيط في مَنَارَة للمراقبة على الساحل "و القرار النهائي لَك"
تخَيَّلوا صدمَة هذا القائد الذي كان يظن أنه يُواجِه سفينة مُنافِسَة بينما كان يواجه صخرة ثابتة ليس إلا!!
أحياناً التَّعَالِي و الكبرياء بإسم المكانَة و الصِّفَة يجعلنا نظن أن العالم يجب أن يتزحزح من طريقنا عندما نتحرَّك بينما الحقيقة أننا نحن من نحتاج لتغيير مسارنا قليلاً قبل أن نصطدِم بالواقع حيث لا ينفَع كُرسي أو سُلطَة أمام هَولِ الحَادِثَة إلا مَن أتى المؤسسات و المجتمع بِقَرار صَائب و سليم.. و عِلماً أنه لاَ مَلجَأ ولا مَفرّ من مصائب القيادة و مفاعِيل الإدارة إلاَّ بِتحقيق الحكامَة تحت شعار : "الحوار التواصلي والتدبير التشاركي" لأمور الناس العالقَة و الشَّائكة و تفَادي تكرار الفُرَص الضَّائعة بسبب حالات الشُّرود المُتتالية..‼️
ليست كل الأزمات نتيجة سوء النية، وليست كل الخلافات دليلاً على وجود طرف محق وآخر مخطئ. فكثير من الصراعات تبدأ من افتراض خاطئ بأن الحقيقة لا تُرى إلا من زاوية واحدة، وأن الموقع أو المنصب يمنح صاحبه قدرة مطلقة على تحديد الصواب. غير أن الواقع غالباً ما يكون أكثر تعقيداً، وأكثر قدرة على تصحيح الأوهام بطريقة قد تكون مؤلمة.
إن الإنسان عندما يتولى مسؤولية أو يعتلي موقعاً مؤثراً قد يقع، من حيث يشعر أو لا يشعر، في وهم امتلاك الحقيقة الكاملة. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الوهم إلى قناعة بأن الآخرين هم من يجب أن يتراجعوا، وأن الجميع مطالب بالتكيف مع قراراته ورؤيته. وهنا تبدأ بذور الاصطدام بالنمو، ليس لأن الآخرين يعاندون، بل لأن الواقع نفسه لا يخضع لمنطق السلطة.
تكمن المشكلة الحقيقية في أن بعض القيادات تخلط بين النفوذ والحكمة، وبين القدرة على إصدار الأوامر والقدرة على اتخاذ القرار السليم. فالسلطة تمنح حق الإدارة، لكنها لا تمنح حصانة ضد الخطأ، ولا تجعل صاحبها معفى من مراجعة مواقفه أو الاستماع إلى الأصوات المختلفة. وعندما يغيب هذا الإدراك، يصبح الحوار مجرد إجراء شكلي، بينما تتحول القرارات إلى مسارات مغلقة تقود إلى أزمات كان يمكن تفاديها.
ومن أخطر ما يصيب المؤسسات هو الاعتقاد بأن المكانة وحدها كافية لفرض الواقع. فهناك حقائق ثابتة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو بالأوامر أو بالمظاهر الإدارية. تجاهل هذه الحقائق لا يؤدي إلى تغييرها، وإنما يجعل الاصطدام بها أكثر عنفاً. فالواقع لا يجامل أحداً، ولا يمنح استثناءات لمن يرفض الإصغاء أو يعجز عن قراءة المتغيرات.
ولهذا فإن القيادة الناجحة لا تُقاس بعدد القرارات التي تُصدر، وإنما بقدرتها على الإنصات قبل الحسم، وعلى مراجعة نفسها قبل مطالبة الآخرين بالمراجعة. فالقائد الحقيقي لا يرى في الاعتراف بالحاجة إلى تعديل المسار ضعفاً، بل يعتبره دليلاً على النضج والمسؤولية. أما الإصرار على الاستمرار في الاتجاه الخاطئ حفاظاً على الهيبة، فهو في النهاية خسارة للهيبة وللنتائج معاً.
إن المؤسسات التي تنجح في تجاوز أزماتها هي تلك التي تجعل الحوار ثقافة لا مناسبة، وتجعل المشاركة أسلوباً في اتخاذ القرار لا مجرد شعار. فحين تتعدد زوايا النظر، تزداد فرص الوصول إلى رؤية أكثر توازناً، وتتراجع احتمالات الوقوع في أخطاء كان سببها الانفراد بالرأي أو تجاهل الخبرات المختلفة.
وفي النهاية، لا ينتصر الواقع لمن يرفع صوته أكثر، ولا لمن يشغل أعلى منصب، بل لمن يمتلك الشجاعة الكافية ليغيّر مساره عندما تفرض الحقائق ذلك. فالحكمة ليست في أن نثبت أننا الأقوى، وإنما في أن نتجنب الاصطدام قبل وقوعه، لأن ثمن التعنت غالباً ما تدفعه المؤسسات والمجتمعات بأكملها، بينما يبقى الحوار الرشيد والتدبير التشاركي الطريق الأقصر نحو الاستقرار وصناعة القرار السليم.